عبد الوهاب الشعراني

198

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى السلوك على يد شيخ ناصح ليرقيه إلى حضرات الصبر ثم حضرات الرضا ، وذلك أن المحجوب لا يعرف للصبر طعما وما عنده إلا السخط والكراهة ، فلا يزال يرقيه عن مقام السخط بذكر الثواب الأخروي حتى يصير يتجلد ويصبر ، فإذا أحكم مقام الصبر بيّن له ما في الصبر من ادعاء القوة ومقاومة القهر الإلهي بنفسه وعدم استحلائه أقدار اللّه وما هو فيه من سوء الأدب مع اللّه تعالى من حيث ترجيحه خلاف ما اختاره الحق تعالى له ، وهناك ينشرح للبلاء وينبسط له فعلم أن للبلاء ثلاث مراتب سخط وصبر ورضا ، فيحبس اللّه تعالى العبد في مرتبة حتى يأتي بها ذوقا قبل أن ينقله إلى ما بعدها ، فكل مرتبة في محن أفضل من غيرها ، فلا يقال من يتلذذ بالبلاء أفضل مطلقا ، ولا مقام الصبر أفضل مطلقا ، فلا بد لكل إنسان من هذا ومن هذا ليشكر ويصبر ، وفي الحديث : « عظم الأجر مع عظم البلاء » . فما ربحه الراضي خسره من جهة عدم إحساسه بالبلاء ، وما ربحه من أحس بالبلاء خسره من جهة عدم الرضا عن اللّه والتلذذ بقضاء اللّه . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : الرضا عن اللّه تعالى لا يخلو من كراهة خفية ، لأن في كل إنسان جزءا يكره المرض ولا يخرج عنه أبدا ، وجزءا يختار خلاف ما اختار اللّه ولا يخرج عنه أبدا ، وجزءا يحب الدنيا ولا يكرهها أبدا ، وقس على ذلك سائر النقائص ، ولو كشف للمتصوفة لرأوا ذلك الجزء يدق ولا يزول ومن هنا استغفر الأكابر من أفعالهم الحسنة . وسمعته أيضا يقول : الرضا مشتق من روض الدابة الشموس فلا بد أن يبقى بعد رياضتها بقية من الرعونة ، وما خرج عن ذلك سوى الأنبياء لأن اللّه تعالى طهر طينتهم من النقائص بسابق العناية ومن هنا عصموا دون غيرهم . فاسلك يا أخي على يد شيخ ليخرجك من الرعونات وتصير تتلقى أقدار سيدك بالرضا والانشراح ظاهرا وتستغفر من الجزء الخفي الذي فيك يكره أقدار سيدك . وقد كان سفيان الثوري رضي اللّه عنه يقول : إنما خاف الأكابر من المرض لما يطرق المريض من كراهيته ومن السخط ا ه ، وكان بجواري امرأة بها ضارب العظم ليلا ونهارا فسمعتها ليلة تقول أنا حسب زربونك ، يا رب تفضل عليّ بغمض الجفن لحظة ، ثم تقول : أستغفر اللّه ماللّه زربون ، وسمعتها أيضا تقول : إيش عملت لك يا رب لهذا كله . وكان سفيان الثوري يقول : رجال البلاء إنما هم الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ثم يقول واللّه ما أدري ماذا يقع مني لو ابتليت فلعلي أكفر ولا أشعر ا ه وهذا منه اتهام لنفسه